
الراصد: من الطرائف أنّ عاملاً هنديًا في إحدى دول الخليج شكا آلامًا في خاصرته، فاصطحبه كفيله، وهو مواطن بدوي، إلى المستشفى. وبعد الفحص، شخّص الطبيب الحالة بوجود حصى في الكلى، وذكر أن العلاج الأمثل هو الجراحة، مع إمكانية تجربة الإكثار من شرب الماء قبل الإقدام عليها. عندها حذّر البدوي الطبيب من العملية قائلاً:
«لا اتبطّل الرّيال، خلّيه امْسكّر لين ما يروح ابلاده، هناك ايبطلونه!»
لقد أُغلق ملف “الإرث الإنساني” في موريتانيا؛ إذ أغلقه الرئيس الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، ثم أحكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز إغلاقه بالتعويض والصلاة. وعلى الحكومة، كما قال البدوي، أن “تخلّيه امسكّر، ما اتبطّله”.
إنه ملف عولج وأُقفل، وأي محاولة لفتحه اليوم ليست سوى فتحٍ لباب الابتزاز من قبل المتاجرين بالمظالم المزعومة؛ ولا يملأ بطون أولئك إلا التراب. وهو باب إن فُتح فلن يُوصد، وسيُعاد فتحه كل عام ويحل حوله كالزكاة كلّ حول وفي كل ذكرى
أما ملف العبودية، فقد أُغلق رسميًا منذ إعلان إلغاء الرق في موريتانيا سنة 1981، ولم تعد للدولة علاقة به إلا من خلال معالجة الحالات الفردية، إن وُجدت، وفق القانون. ولا يجوز ابتزاز الدولة بهذا الملف.
وأما الغبن والزبونية وعدم تكافؤ الفرص، فالجميع ضحاياها؛ ونحن اليوم، جميعًا، عبيد الحاجة.
لقد كان الرق سائدًا في شبه المنطقة، وبلغ أشدّه في دول إفريقيا الغربية، غير أن الدولة الوطنية تجاوزته. ومن المفارقات أنه في يوم الثلاثاء 24 فبراير 2015، فقد الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد أعصابه قبيل صدور الحكم في قضية ابنه كريم، ووجّه أمام الصحفيين في منزله بحي بوانت إي في داكار، إهانات غير مسبوقة لخليفته الرئيس ماكي صال، قائلاً حرفيًا إن ماكي صال “«ماكي صال عبد من نسل عبيد، ولا يزال مالكو عائلة ماكي صال موجودين هناك، على قيد الحياة. وهو يعلم أنه عبدهم، أقول هذا وأؤكده لأنه لا يمكن إخفاء الحقيقة دائمًا، لن يقبل ابني كريم أبدًا أن يكون ماكي صال أعلى منه منزلة”، بل وأضاف بلغة الولوف: “لو كنا في ظروف مختلفة لكنت بعته عبدًا”.
ومع مساس هذا الخطاب بوترٍ شديد الحساسية، لم تظهر في السنغال حركات من قبيل “إيرا” أو “الرگ”، ولم تسقط السماء على الأرض، رغم أن المجتمع السنغالي، تحت قشرة الحداثة، لا يزال يحمل آثار تنظيم هرمي صارم موروث من حقبة ما قبل الاستعمار، حيث كان “الماكوبي” (العبيد) في أسفل السلم الاجتماعي، لا سيما في منطقة فوتا شمال البلاد، ولايزال بعض التقاليد قائمة في المصاهرات وأنفة بعض الفئات على بعض.
صحيفة "لوموند أفريك"، أرادت الوصول إلى الحقيقة، فأرسلت صحفيها "مامادو ندياي" إلى قرية الرئيس صال. قرية "ندولومادجي فونايبي"، قرب ماتام، في منطقة فوتا السنغالية على الحدود مع موريتانيا (على بُعد 600 كيلومتر من داكار)، وهناك، كانت المفاجأة كبيرة: لم تكن عائلة ماكي صال من العبيد، بل كانوا "سيدو" (محاربين)، وكانوا يمتلكون عبيدًا.
من الطريف أن إبراهيما لي، زعيم قرية ندولومادجي. حين سأله الصحفي هل ماكي صال عبد؟ أجاب بسؤال أبلغ: كيف يمكن لعبد أن يمتلك عبيداً ؟!"، ذلك أن عائلة ماكي صال من مُلّاك العبيد.
في الحوار، وفي غير الحوار، ينبغي تجاوز ملفين: ملف الإرث الإنساني وملف العبودية. ففتحهما لن يجلب للدولة إلا مزيدًا من الابتزاز على أيدي سماسرة المظالم لمآرب شخصية. والأجدر هو توجيه الجهد إلى محاربة الفساد، وإرساء الحكامة الرشيدة، وبناء دولة القانون، وإشاعة العدل، وإشراك الجميع، وتحقيق تكافؤ الفرص، ومكافحة الزبونية والمحسوبية والجهوية والقبلية، ورصّ الصفوف لبناء غدٍ أفضل.
كامل الود
منقول
