
الراصد : كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف
إلى أخي في السلاح، العقيد NEH SOUVI،
كنت قد أوضحتُ بجلاء أنني قررتُ وضع حدٍّ للنقاشات المتعلقة بأحداث العاشر من يوليو 1978، لما نالته هذه المحطة من معالجة مفرطة، واستغلال سياسي، وتجريد متعمد في كثير من الأحيان من بعدها التحليلي العميق. غير أن إصراركم على العودة إلى هذا الموضوع يفرض عليّ، من باب الواجب الفكري والمسؤولية الوطنية، أن أتدخل مرة أخرى للرد على ما تضمنه طرحكم من تقريبات غير دقيقة، وتناقضات واضحة، وإعادة بناء لاحقة للوقائع، يبدو أنها تهدف إلى توجيه الرأي العام نحو قراءة لا تفتقر فقط إلى الصلابة العلمية، بل تتعارض كذلك مع الحقائق التاريخية الثابتة.
يقوم النص الذي تقدمونه على مسلّمة مركزية مفادها أن العاشر من يوليو كان فعل إنقاذ وطني، فرضه انهيار الدولة، وتلاشي السيادة، وانسداد الأفق العسكري. غير أن هذه المسلّمة تُطرح بوصفها حقيقة مكتملة دون أن تُسند بأي برهان جاد، بل إن الوقائع نفسها، بما فيها تلك التي تستحضرونها، تنقضها صراحة عندما تُقرأ قراءة دقيقة ومتأنية.
إن الادعاء بأن الدولة الموريتانية كانت عشية الانقلاب على شفا الانهيار لا يندرج في إطار التحليل الرصين، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة كتابة التاريخ وفق غايات محددة. نعم، كانت حرب الصحراء اختبارًا قاسيًا ومكلفًا، لكن الاختبار مهما بلغت كلفته لا يبرر تقويض الشرعية الدستورية. فالدولة الموريتانية، قبيل العاشر من يوليو، كانت لا تزال تؤدي وظائفها الأساسية: الإدارة قائمة، والمؤسسات موجودة، والدبلوماسية فاعلة، والاعتراف الدولي كامل، والأهم من ذلك أن قرار الحرب كان صادرًا عن سلطة مدنية شرعية. ولم يُقدَّم أي دليل جدي يُثبت أن الآليات الدستورية قد استُنفدت، أو أن الخيار العسكري الانقلابي كان السبيل الوحيد الممكن.
إنكم تخلطون عن قصد بين الصعوبة الاستراتيجية وغياب الدولة. فلا جيش فتيّ، محدود العتاد، ومنخرط في نزاع غير متماثل، بمنأى عن الانتكاسات. غير أن ذلك لا يحوّل ضباطه تلقائيًا إلى حُكّام للسيادة الوطنية. ولو كان الإخفاق العسكري يبرر إسقاط السلطة المدنية (علمًا بأنه لم يكن هناك إخفاق حاسم أصلًا )لكان معظم دول ما بعد الاستعمار محكومًا على الدوام من قبل مجالس عسكرية. إن الصعوبات العسكرية تستدعي مراجعة استراتيجية، أو حلاً سياسيًا، أو تحكيمًا مؤسساتيًا، لا الاستيلاء على السلطة بالقوة.
أما الوجود المغربي الذي تصفونه بوصفه مساسًا بالسيادة، فهو طرح ضعيف من الناحية الفكرية. فالتعاون العسكري، حتى وإن كان غير متكافئ، لا يعني التنازل عن السيادة، بل هو خيار سياسي قابل للنقاش، لكنه كان خيارًا مُعلنًا ومتحمَّل المسؤولية من قبل سلطة مدنية منتخبة. كما تتجاهلون عمدًا أن هذا التعاون كان منظمًا باتفاقيات محددة، وأن الجيش المغربي لم يكن يمارس أي سلطة سياسية أو إدارية أو تقريرية داخل موريتانيا. في المقابل، فإن العاشر من يوليو نقل السيادة الوطنية فعليًا من سلطة مدنية إلى مؤسسة عسكرية غير منتخبة، وهو أمر أشد خطورة وأبعد أثرًا.
إن اللجوء إلى التضامن الوطني في زمن الحرب لا يُعدّ دليلًا على انهيار الدولة، ولا هو استثناء في تاريخ النزاعات. أما الثابت تاريخيًا، فهو أن العاشر من يوليو لم يحلّ الأزمة الاقتصادية، بل حوّلها إلى وضعية بنيوية دائمة. فسلسلة الانقلابات، وعدم الاستقرار المزمن، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتقويض الثقة في الدولة، كل ذلك كلّف موريتانيا أضعاف ما كلّفته الحرب نفسها.
ولم تتوقف الحرب بفعل رؤية استراتيجية متبصّرة، بل لأن السلطة العسكرية الجديدة كانت تفتقر إلى الوسائل، والشرعية، والقدرة الدبلوماسية اللازمة لمواصلتها. ولم يكن الانسحاب إنجازًا، بل اعترافًا ضمنيًا بعجز المؤسسة العسكرية، بعد أن صادرت السلطة، عن إدارة ما زعمت أنها جاءت لحلّه.
وأخيرًا، فإن الحجة الأخلاقية القصوى التي تُساق، والقائلة إن منفذي العاشر من يوليو تحركوا بدافع وطني خالص لا بدافع الطموح الشخصي، لا تنتمي إلى مجال التاريخ ولا إلى علم السياسة، بل إلى النوايا المفترضة التي لا دليل عليها. فالتاريخ لا يحاكم النيات، بل يحاكم النتائج البنيوية. ونتائج العاشر من يوليو معروفة: نهاية أولوية المدني، تطبيع الانقلاب كوسيلة للوصول إلى السلطة، عسكرة دائمة للحياة السياسية، وإضعاف عميق للدولة.
إن العاشر من يوليو 1978 لم يُنقذ موريتانيا، بل دشّن مسارًا ما تزال البلاد تدفع إلى اليوم كلفته السياسية والمؤسسية والأخلاقية. وتقديمه بوصفه ضرورة تاريخية لا يعدو أن يكون تفكيرًا غائيًا يخلط بين السبب والنتيجة، وبين الصعوبة والانهيار، وبين الوطنية والاستيلاء على السلطة.ومن أجل تفكيك هذا الخلط، الذي يُغذّى ويُعاد إنتاجه عن قصد جاء هاذ الرد
تحياتي الأخوية
