حين يتحول النظام إلى عصابة ويسقط القناع

جمعة, 17/07/2026 - 11:36

الراصد : ما كُشفته فوضية صفقات مشاريع العصرنة والدعم وزبونية الانتقاء وحجم صفقات التراضي وغياب النظام و نفوذ الأشخاص و القبيلة و فقدان هيبة الدولة و مصير ملف حبوب الهلوسة و الأدوية المزورة و ملف اختفاء المليارات و طريقة تسرب أكباش الفداء و خروج الجميع بقوة النفوذ و اذلال القانون و سيطرة زمرة من نافذين بقوة الغرابة و نفوذ المال علي موارد شعب بلد باكمله من صفقات بالمليارات و مشاريع وهمية تستنزف بها الثروات و الاستلاء علي كل شيء 

 

جعل من المستحيل التعامل مع هذه القضايا كفضائح مالية أو اخبار عابرة أو حتى كقضية فساد كبيرة ثم نغلق القوس و ننتقل إلى غيره ما كُشفته فضائح النظام هو لحظة تعرية كاملة لطبيعة الحكم و لطريقة إدارة الدولة و للحد الذي وصلت إليه السلطة في حماية نفسها على حساب القانون و المال العام و كرامة الإنسان

 

القضية هنا لا تبدأ من اختفاء المليارات رغم فداحتها و لا تنتهي عند لجنة تحقيق حُلّت أو تقرير أُوقف أو وزارت أصبحت لعبة بيد أشخاص القضية أعمق بكثير إنها قضية دولة قررت أن تعيش بلا مرآة بلا مراجعة بلا محاسبة لأن رؤية الحقيقة أصبحت خطراً وجودياً عليها

 

مئات المليارت ليست مجرد مبالغ منهوبة بل اختبار أخلاقي و سياسي سقطت فيه السلطة سقوطاً مدوياً.

 

هذه المبالغ يعني آلاف الفرص الضائعة و ملايين الوجبات التي لم تصل و مئات المرافق التي لم تُبن لكنه في ميزان الحكم يعني شيئاً آخر تماماً يعني الحفاظ على شبكة النفوذ متماسكة مهما كان الثمن و مهما كانت التضحيات حتي و لو كان مستقبل بلد... 

 

السؤال هنا ليس سؤال صحافة بل سؤال دولة من أعطى أي جهة مهما كانت سلطتها حق تعطيل القانون و من قرر أن السيادة تعلو على المحاسبة و من أقنع نفسه أن حماية الفساد و عصابات حبوب الهلوسة و الأدوية المزورة يمكن أن يكون طريقاً للاستقرار

 

التحليل البسيط للجريمة يقول إن أي سلطة تخاف من المراجعة هي سلطة تعرف أنها سارقه و أي دولة تكسر مؤسسات الرقابة هي دولة تعترف ضمنياً بأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها بالقانون بل تحتاج إلى المنع و النفوذ و الحصانة

 

في هذه اللحظة يتحول الفساد من جريمة إلى بنية و من حادثة إلى نظام و من تجاوز إلى عقيدة حكم و تتحول الدولة من إطار جامع إلى شبكة مغلقة كل طرف فيها يحمي الآخر و كل ملف فيها يصبح خطاً أحمر و كل سؤال فيها يصبح تهديداً

 

و هنا يصبح الصمت شراكة و يصبح التبرير خيانة و يصبح التطبيع مع هذا الواقع مشاركة فعلية في الجريمة لأن القبول بأن تُمنع المراجعة اليوم يعني القبول بأن يُنهب أي قطاع غداً دون رادع... 

 

هذه ليست معركة محاسبين و لا صراع تقارير هذه معركة على معنى الدولة نفسه هل هي دولة قانون أم دولة أشخاص هل هي دولة مؤسسات أم دولة أشخاص هل هي دولة مواطنين أم دولة شبكات.... 

 

الشعب في هذه المعادلة ليس رقماً بل الضحية الدائمة يُطلب منه الصبر بينما تُنهب موارده و يُطلب منه التحمل بينما تُحمى الملفات و يُطلب منه الصمت بينما تُكسر أدوات الحقيقة... 

 

الدول لا تسقط فقط بالانقلابات أو الحروب كثيراً ما تسقط حين تفقد قدرتها على محاسبة نفسها حين يتحول السؤال إلى جريمة و حين تصبح السيادة ستاراً للنهب و حين يُكافأ الفساد و يُعاقَب من كشفه

 

الخطر الحقيقي استمرار هذا النهج لا يعني حماية النظام بل يعني تآكل الدولة من الداخل لأن الدولة التي تعطل رقابتها تحكم على نفسها بالعمى و الدولة العمياء لا ترى الانهيار إلا بعد وقوعه

 

و في النهاية لا يبقى إلا السؤال الذي لا يمكن حله بالمنع و لا بالحصانة و لا بتعطيل التقارير إذا كانت الدولة تمنع نفسها من محاسبة نفسها فمن يحمي المال العام و من يحمي فكرة الوطن و من يملك الشجاعة ليقول إن السيادة بلا قانون ليست سيادة بل غطاء.... 

 

هذا السؤال سيبقى مفتوحاً و سيظل يلاحق كل من اختار حماية الفساد لأن التاريخ لا ينسى و لأن الدول لا تُبنى بالمنعب، بل بالمحاسبة لنكف عن التمثيل و نسمي الاشياء بأسمائها... 

 

الدولة حاضرة لكنها اختارت حماية الفساد كسر المراجعة رفع السيادة فوق القانون و طلبت من الشعب تصديق الكذبة

 

لا أحد بريء بعد اليوم من حكم من سكت من برر من صفق من قال (ليس ملفنا) من قال (دعونا ننتظر) الجميع شركاء بدرجات متفاوتة

 

هذه ليست أزمة موارد إنها أزمة ضمير ليست فجوة قانون بل فجوة شجاعة... 

 

الدولة التي تخاف من كشف الحساب لا تستحق الثقة السلطة التي تمنع المراجعة لا تستحق الصمت النخبة التي تعرف و تغض الطرف لا تستحق الاحترام.... 

 

لا تحدثونا عن السيادة و لا عن الاستقرار و لا عن الوطنية فهي التي تخفي اللصوص و تخدم الخيانة.... 

 

اليوم لم يعد السؤال من سرق بل من سمح من غطى من أمر من صمت و من يطلب منا كتم الصوت.

 

هذه لحظة تسمية الجريمة جريمة التواطؤ تواطؤ و الصمت شراكة... 

 

و من يظن أن النفوذ و الحصانة تطيل العمر السياسي لا يفهم كيف تسقط الدول الدول لا تسقط فجأة تسقط عندما تفقد احترامها لنفسها

 

السؤال واحد 

 

إذا كانت الدولة تمنع محاسبة نفسها، فبأي حق تطلب منا الثقة؟

 

حين تفقد الدولة سيادتها و تتحول من دولة الى عصابة قمعية تدار بمنطق القرابة و الولاء ….. من أجل حماية مصالح أشخاص و قبائل ساعتها سيدرك الجميع أن النظام تحول الى عصابة و اننا أصبحنآ في غابة.... 

 

بقلم شيخنا سيد محمد