الإساءة ليست نضالا ... سقط القناع / محمد ولد عمار

اثنين, 23/03/2026 - 12:19

الراصد: في موريتانيا اليوم، لم يعد الخلل مجرد انطباع عام، بل واقعا يمكن تلمسه في تفاصيل الحياة اليومية؛ اقتصاد بموارد كبيرة وعائد اجتماعي محدود، سياسة يغلب عليها منطق التوازنات أكثر من منطق البرامج، ومجتمع يتأرجح بين وعي صاعد وضغوط تقليدية تبطئ تحوله. وفي قلب هذا المشهد، تتصاعد أنماط من التعبير – خاصة في بعض الإنتاجات الفنية والإعلامية – تنزلق نحو السطحية والتجريح، وكأنها تختزل أزمات معقدة في لغة سهلة لكنها فارغة.

لنكن واضحين؛ الإساءة ليست نضالا، وليست فنا. رفع الصوت لا يصنع فكرة، والتهكم لا يبني وعيا. حين يستبدل تحليل السياسات باستهداف الأشخاص، وحين تختزل قضايا الفقر والتفاوت في عبارات ساخرة أو هجومية، فإننا لا نمارس نقدا، بل نفرغ المجال العام من مضمونه. هذا ليس دفاعا عن أحد، بل دفاع عن قيمة النقاش نفسه.

اقتصاديا، الأرقام والمؤشرات العامة – من بطالة مرتفعة بين الشباب، إلى هشاشة في فرص العمل، إلى تفاوت واضح في الاستفادة من الموارد – تفسر جزءا من الغضب. لكن هذا الغضب، حين لا يترجم إلى خطاب واع يطالب بالشفافية والمحاسبة وتكافؤ الفرص، يتحول إلى ضجيج. الضجيج قد يلفت الانتباه، لكنه لا يغير واقعا. ما يحتاجه الاقتصاد ليس مزيدا من الصخب، بل وضوح في الرؤية، وربط حقيقي بين الثروة والتنمية، وبين القرار والمساءلة.

سياسيا، الإشكال لا يقتصر على طرف دون آخر. سلطة تميل إلى التحفظ وتفضل الاستقرار على المجازفة بالإصلاح السريع، ومعارضة لا تنجح دائما في تقديم بدائل مقنعة أو خطاب متماسك. في هذا الفراغ، تزدهر لغة الإثارة لأنها الأسهل والأسرع انتشارا. لكن سهولة الانتشار لا تعني جودة المضمون. التنافس السياسي، إذا فقد أخلاقيته، يتحول إلى سباق نحو القاع، حيث تكافأ الحدة على حساب العمق، وتهمش الفكرة لصالح الانطباع.

اجتماعيا، الخطر أعمق مما يبدو. حين تتكرر أنماط الخطاب السطحي أو الجارح، تتآكل تدريجيا معايير الذوق العام، ويصبح من العادي تجاوز حدود الاحترام. هذا لا يمس الأفراد فقط، بل ينعكس على قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته. فالمجتمع الذي يفقد لغته المتزنة، يفقد معها جزءا من تماسكه.

إن رفع مستوى النقد لا يعني تلطيف الواقع أو إنكار الاختلالات، بل العكس تماما؛ يعني تسميتها بدقة، ومساءلتها بصرامة، دون السقوط في التبسيط أو الشخصنة. فالمحاسبة الحقيقية تبنى على الوقائع، لا على الانفعالات. والإصلاح يبدأ حين نميز بين الجرأة التي تكشف الخلل، والتهور الذي يكتفي بإثارته.

موريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية، بل إلى أصوات دقيقة. لا تحتاج إلى تضخيم الغضب، بل إلى توجيهه. فالنقاش العام، إن لم يضبط بالاحترام والجدية، يتحول من أداة للتغيير إلى جزء من المشكلة. والرهان اليوم ليس فقط على ما نقوله، بل على كيف نقوله؛ إما أن نرتقي بالنقد فيكون قوة دفع، أو نفرغه فيصبح مجرد صدى عابر لا يترك أثرا.