
الراصد : لم تعد بعض الاستقبالات السياسية مجرّد طقوس بروتوكولية، بل صارت حدثًا بحدّ ذاتها، يُضخَّم ويُعاد تدويره إعلاميًا، وكأن الصورة باتت بديلًا عن الفعل، والضجيج عن الإنجاز. في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه الظاهرة إلا بوصفها عرضًا سياسيًا لفراغٍ عميق، لا دلالة قوة.
الهستيريا الاستقبالية ليست تعبيرًا عن حضور سياسي، بل عن قلقٍ منه. فالقوى الواثقة من موقعها لا تحتاج إلى استعراض دائم، ولا إلى حشود مُسيّرة لتأكيد شرعيتها. أما حين يصبح الاستقبال هو الرسالة، فذلك يعني أن الرسالة غائبة أصلًا.
تُوظَّف هذه المشاهد لتسويق وهم “التمكّن السياسي”، غير أن التمكّن لا يُقاس بعدد المستقبلين ولا بزوايا الكاميرا، بل بالقدرة على التأثير في القرار، وفرض الشروط، وتحقيق مكاسب ملموسة. أما تحويل السياسة إلى مسرح جماهيري، فهو أقرب إلى تعويض نفسي جماعي عن عجز استراتيجي متراكم.
الأخطر من ذلك أن هذا الوهم لا يخاطب الخصوم، بل يُسوَّق للاستهلاك الداخلي. إنه خطاب موجه للحاضنة، لا للعالم. خطاب يطلب التصفيق بدل المساءلة، والانفعال بدل الفهم. وهنا تتحول الجماهير من فاعل سياسي إلى جمهور، ومن شريك في القرار إلى ديكور في المشهد.
الخروج عن المألوف لا يكون بكسر البروتوكول أو تضخيم الاستقبال، بل بامتلاك مشروع سياسي قادر على التعامل مع الجغرافيا السياسية كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. أما القفز فوق موازين القوى، وتسويق ذلك بوصفه “ثورية” أو “سيادة”، فلا ينتج إلا عزلة إضافية وخسائر مؤجلة.
السياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالرمز وحده. من يراكم صورة بلا مضمون، سيصطدم حتمًا بلحظة ينكشف فيها الفرق بين ما يُعرض وما هو قائم فعليًا. وحينها، لن تنفع الحشود ولا الهتافات.
وفي هذا السياق، يستعيد المثل الشعبي دلالته السياسية العميقة: «من لم يكفه قبره فليتكئ على حاشيته». فالحاشية، بما توفره من تصفيق وتبرير، لا تحمي من الفشل، بل تؤجله. إنها تخلق فقاعة وهمية، يعيش داخلها صانع القرار إلى أن تنفجر على رأسه.
الهستيريا الاستقبالية ليست علامة حياة سياسية، بل علامة احتضارها. فحين تغيب القدرة على الفعل، يُستدعى العرض. وحين ينعدم المشروع، تُضخَّم الصورة. لكن الواقع—دائمًا—أقسى من الكاميرا، والجغرافيا السياسية لا تعترف بالتصفيق.
