
بنشاب : في أحياء عديدة من داكار ، لا تحتاج إلى كثير جهد لتتعرف على ملامح الفشل الموريتاني؛ يكفي أن تقف دقائق أمام أي عيادة أو مستشفى عمومي. ستجد الموريتانيين هناك بأعداد لافتة، فقراء وبسطاء، شيوخًا ونساءً وأطفالًا، جاؤوا مثقلين بالألم وبفواتير السفر، هاربين من منظومة صحية لفظتهم في وطنهم.
المشهد صار مألوفًا إلى حد الفضيحة: عيادات كاملة في قلب العاصمة السنغالية، لا يكاد يراجعها سنغالي واحد، بينما يغصّ انتظارها بالموريتانيين. عمارات بأكملها تحولت إلى نُزل للمرضى القادمين من نواكشوط، في هجرة علاجية،جماعية و قسرية لا تشبه السياحة ولا الترف، بل تشبه المنفى الصحي بكل قسوته.
هذه العيادات ليست استثناءً، بل مرآة صادقة لانهيار شامل. انهيار لم تصنعه قلة الموارد، بل صنعته سنوات من الإهمال، وسوء التسيير، وغياب المحاسبة وتدوير المفسدين . مليارات الأوقية صُرفت على الورق، وميزانيات تضخمت في التقارير، بينما الواقع يقول شيئًا واحدًا: الموريتاني لا يثق في مستشفى بلده، ولا في دوائه، ولا في خطاب مسؤوليه .
في صيدليات أحياء الموريتانيين في داكار، يتكرر المشهد نفسه: أدوية تُشترى وتُرسل إلى مرضى في نواكشوط، لأنها غير متوفرة هناك، و لأن الثقة في الجودة ضاعت، ولأن الخوف من الدواء المحلي صار أقوى من المرض نفسه. أي دولة هذه التي يخاف مواطنها من علاجها؟
وفي المقابل، لا يتوقف مسؤولو الحكومة عن الحديث عن “تحسن المنظومة الصحية”، تحسن لا يراه المرضى، ولا يلمسه الفقراء، ولا تشهد به أسر باعت ما تملك لتوفر ثمن السفر والعلاج خارج الحدود. تحسن إعلامي فقط، يُصنع في المؤتمرات ويُسوَّق في البيانات، بينما الحقيقة تُكتب يوميًا في شوارع داكار.
ما يحدث ليس مجرد خلل تقني، بل فشل سياسي وأخلاقي إنها جريمة مكتملة الأركان. فشل حكومة عجزت، منذ سنوات، عن تحقيق أي إنجاز صحي يُذكر، رغم الشعارات، ورغم الأموال، ورغم الوقت الكافي للمحاسبة والتصحيح.
إلى متى سيبقى الموريتاني مريضًا في وطنه، منفيًا خارجه بحثًا عن حقه في العلاج؟
وإلى متى ستظل داكار شاهدة على ما فشلت فيه نواكشوط؟
هذا ليس سؤالًا إنسانيًا فقط، بل لائحة اتهام مفتوحة ضد سلطة لم تفشل في إدارة الصحة فحسب، بل فشلت في حماية أبسط حقوق مواطنيها: الحق في الحياة.
محمدعبدالرحمن عبدالله
صحفي ، مستقل
