الضريبة على الهواتف في موريتانيا.. حين اشتعل الجدل ودفع المواطن الثمن..

أحد, 15/03/2026 - 13:00
الإعلامي محمد سوله

الراصد: تحوّلت الضريبة على الهواتف في موريتانيا خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع، بعدما خرج النقاش من دوائر التجار والإدارة إلى فضاء الرأي العام، بين من يراها حقًا مشروعًا للدولة في تحصيل الإيرادات، ومن يعتبرها ضربة موجعة لقطاع يشغّل مئات الشباب ويعتمد عليه آلاف المواطنين.
في الأسواق، وفي مواقع التواصل، وحتى في المجالس اليومية، أصبح الحديث عن الهواتف لا يتعلق فقط بالمواصفات والأسعار، بل أيضًا بـ"الضرائب" و"الرسوم" و"من يتحمل الفاتورة؟".
الحكومة، ومن يدافع عن موقفها، تقول إن ما يجري تداوله بشأن "ضريبة جديدة" لا يعكس الصورة كاملة، مؤكدة أن الهواتف كانت أصلًا خاضعة لرسوم تصل إلى 32%، وأن ما تم هو خفض تلك النسبة إلى 30%، أي تقليصها بنسبة 2%، لا زيادتها كما يعتقد كثيرون.
لكن في الجهة المقابلة، يرى باعة الهواتف وأصحاب المحلات أن القرار – أو على الأقل طريقة تطبيقه وفهمه – خلق ارتباكًا كبيرًا في السوق، وأثار موجة غضب دفعتهم إلى الدخول في حراك رافض، مدعوم من بعض السياسيين، بدعوى أن هذه السياسات قد تؤثر سلبًا على تجارة الهواتف، وتضيق على الشباب الذين وجدوا في هذا القطاع مصدر رزق في ظل محدودية فرص العمل.
ومع اتساع الجدل، اشتعلت أيضًا المعركة الإعلامية.
فمنابر إعلامية مستقلة، لكنها قريبة من الخط الحكومي، دخلت بقوة على خط الدفاع عن القرار، معتبرة أن الدولة لا يمكن أن تُلام على تحصيل الضرائب، وأن تمويل الخدمات العمومية لا يتم بالشعارات، بل عبر الجباية المنظمة.
في المقابل، يرى الرافضون أن الحديث عن "الخدمات" لا يبرر اتخاذ إجراءات تُربك السوق وتفتح الباب أمام مزيد من الضغط على المستهلك.
غير أن المفارقة الأكثر لفتًا للانتباه، والتي فجّرت غضب كثيرين، هي أن بعض الباعة سارعوا إلى رفع أسعار الهواتف الموجودة أصلًا في محلاتهم، رغم أنها دخلت البلاد سابقًا وتم بيعها أو عرضها بعد دفع الرسوم الجمركية المعمول بها حينها.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد بقوة في الشارع:
كيف ترتفع أسعار هواتف قديمة في المخزون بدعوى ضريبة جديدة أو معدلة لم تُطبق عليها أصلًا؟
هذا السؤال وضع كثيرًا من الباعة في مرمى الانتقادات، إذ يرى مراقبون أن ما حدث لا يتعلق فقط برد فعل على الجدل الضريبي، بل قد يكون استغلالًا لحالة الضبابية من أجل فرض زيادات جديدة على المستهلك، وتحقيق أرباح سريعة تحت غطاء "الضرائب".
وفي خضم هذا السجال، يبدو أن المواطن هو الحلقة الأضعف.
فبين رواية حكومية تؤكد أن الضريبة خُفّضت لا زِيدت، ورواية تجار يتحدثون عن أعباء جديدة، وجد المستهلك نفسه أمام أسعار ترتفع، وسوق مرتبك، وخطاب متضارب، دون أن يعرف على وجه الدقة من يقول الحقيقة… ومن يحمّله الثمن.
إن الجدل الدائر اليوم حول الضريبة على الهواتف لا يكشف فقط خلافًا حول نسب ورسوم، بل يفضح أيضًا أزمة أعمق تتعلق بـغياب الوضوح، وضعف التواصل، وهشاشة الرقابة على الأسعار.
فإذا كانت الدولة قد خفّضت الضريبة فعلًا، فإن المطلوب هو شرح شفاف ومباشر للرأي العام.
وإذا كان بعض التجار قد استغلوا الظرف لرفع الأسعار دون مبرر، فإن المطلوب هو تدخل رقابي حاسم يحمي المستهلك من التحايل.
وفي النهاية، قد يختلف الجميع حول منطق الضريبة…
لكنهم يتفقون – أو يجب أن يتفقوا – على حقيقة واحدة:
حين يغيب الوضوح، يدفع المواطن الثمن أولًا… وأخيرًا.