إغلاق مدرسة آمديرلكبير حين تتحول القرارات الإدارية إلى أحكام بالإقصاء والتجهيل

جمعة, 30/10/2026 - 01:25

منذ أكثر من أربعين سنة ظلت مدرسة آمدير تؤدي رسالتها التعليمية وتفتح أبوابها أمام أبناء القرية وتمنح أجيالًا من أبنائها فرصة التعلم وبناء مستقبل أفضل أربعة عقود من العطاء لم تكن مجرد سنوات عابرة بل كانت شاهدًا على ارتباط المدرسة بحياة المجتمع وعلى حق أبناء القرية في التعليم داخل بيئتهم الطبيعية
لكن وبعد كل هذه السنوات يأتي قرار الوزارة بإغلاق أكثر من سبعين مدرسة من  بينها مدرسة آمدير وكأن تاريخ هذه المؤسسات وحقوق التلاميذ ومصير المجتمعات القروية أمور لا تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار
فبأي منطق تُغلق مدرسة قائمة  منذو  عقود وتتواجد فيها أكثر من عشرين تلميذا وبأي مبرر يُحرم ميئات التلاميذ من حقهم في الدراسة أو يُدفعون إلى مواجهة مصير تعليمي مجهول
أهذه هي الإصلاحات التي ينتظرها المواطن  أهذا هو الاستثمار في الإنسان أم أننا أمام قرارات إدارية تُتخذ خلف المكاتب بعيدًا عن واقع القرى ومعاناة سكانها
إن إغلاق مدرسة في قرية لا يعني مجرد إغلاق مبنى أو الاستغناء عن مؤسسة تعليمية  بل يعني ضرب حق أساسي من حقوق الأطفال وتعقيد وصولهم إلى التعليم وتحميل أسرهم أعباء إضافية قد لا تستطيع تحملها
والأخطر من ذلك أن هذا القرار  يفتح الباب أمام تسرب مدرسي كبير كان من الممكن تفاديه
لقد قيل إن التوجه نحو تجميع التلاميذ في مدارس كبرى  من شأنه تحسين جودة التعليم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو  ما قيمة المدرسة الكبرى إذا كان الحصول  عليها يعني أن عددًا كبيرًا من الأطفال لن يصلوا إليها  وما جدوى الإصلاح إذا كانت نتيجته المحتمومة دفع بعض التلاميذ إلى ترك مقاعد الدراسة
لا يمكن أن يُقاس نجاح السياسة التعليمية بعدد المدارس التي أُغلقت ولا بعدد المباني التي أُخليت ولا بحجم القرارات التي اتُخذت بل يقاس بعدد الأطفال الذين التحقوا بالمدارس وعدد الاطفال الذين  واصلوا تعليمهم و ضمان تكافؤ الفرص بين أبناء المدن وأبناء القرى
غير هذ لا يمكن تبريره بشعارات ولا  بمصطلحات أدارية
إن أبناء القرى ليسوا مواطنين من درجة ثانية وأطفال آمدير ليسوا أرقامًا زائدة في جداول التخطيط ومدرسة آمدير ليست عبئًا ينبغي التخلص منه لمجرد أنها تقع في قرية
إن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط حرمان أبناء القرى المتضررة من مدارس اعتادوا عليها بل ما قد يترتب عليه مستقبلًا من اتساع دائرة الحرمان التعليمي فالطفل الذي يغادر المدرسة اليوم بسبب هذ القرار قد يصبح غدًا شابًا محدود الفرص محرومًا من أدوات الاندماج والمشاركة في التنمية وحين تتكرر هذه الحالات في قرى متعددة فإن المجتمع كله هو من يدفع الثمن
ومن المؤسف أن تتحول السياسات التي يُفترض أن تحارب الأمية إلى قرارات قد تسهم في توسيع رقعتها وأن يصبح الطفل القروي مرغما على دفع ثمن اختيارات لم يشارك في صنعهاولم يُستشر بشأنها، ولا يملك القدرة على تغيير نتائجها
لسنا ضد تطوير التعليم ولا ضد تحسين جودته  لكننا نرفض أن يُتخذ التطوير ذريعة لإغلاق المدارس دون ضمان بدائل فعلية تحفظ حق كل طفل في التعلم. فالإصلاح الذي لا يحمي التلميذ  ولا يراعي ظروف أسرته ولا يأخذ خصوصية القرية بعين الاعتبار ليس إصلاحًا مكتملًا  بل مغامرة بمستقبل أجيال كاملة
وعليه فإننا نحمل المسؤولية كاملة للجهات المعنية بتطبيق هذالقرار الذي سيؤدي الا تسرب ابناء القرى   المتضررة
إن بناء المدارس قد يحتاج إلى المال والوقت والجهد لكن إغلاقها لا يحتاج إلا إلى توقيع  غير أن ما يُهدم بقرار إداري قد يستغرق عقودًا لإصلاح آثاره 
 لقد أصبح سكان القرى يخشون أن تكون قرارات الجهة المعنية سببًا في حرمان أبنائهم من التعليم
 وعليه  لاتتحدثوا عن إصلاح المنظومة التعليمية قبل أن تضمنوا أن آخر طفل في أبعد قرية يستطيع الوصول إلى مقعده الدراسي
إن مستقبل الأمم لا يُبنى بتقليص فرص التعليم أمام أطفالها ولا بإفراغ القرى من مؤسساتها التعليمية بل بفتح الأبواب أمام المعرفة وتكريس العدالة بين المواطنين وجعل المدرسة حقًا مضمونًا لا امتيازًا مرتبطًا بالمكان الذي وُلد فيه الطفل
نطالب بمراجعة قرار إغلاق مدرسة آمدير وبضمان حق جميع التلاميذ في مواصلة دراستهم دون انقطاع فالتعليم حق  وليس منحة ومستقبل الأطفال ليس مجالًا للتجارب الإدارية

من أمام مدرسة آمدير لكبير

احمد الحوناني
.