
الراصد: لم تعد أزمة الكهرباء تُختزل في انقطاع التيار وحده؛ فالأمر يتجاوز ذلك إلى تكرار الحرائق التي تطال بعض المعدات والتجهيزات، بما يثير تساؤلات مشروعة حول سلامة المنظومة وجاهزيتها. ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: «متى تعود الكهرباء؟»، بل أصبح الأهم: لماذا تتكرر هذه الحوادث، وما الذي يمكن فعله للحد منها ومنع أسبابها؟ فكل حادث جديد لا يعطل الخدمة فحسب، بل يفرض التوقف عند أسبابه والنظر في قدرة المنظومة على الصمود والاستجابة.
معاناة المواطن مفهومة، وغضبه مشروع، لأن الكهرباء أصبحت شرياناً للحياة والعمل والخدمات والاقتصاد، وأي اضطراب فيها ينعكس سريعاً على تفاصيل الحياة اليومية. لكن الإنصاف يقتضي ألا يتحول هذا الغضب إلى تحامل تلقائي على الشركة أو الوزارة الوصية؛ فالحوادث القهرية والأعطال يمكن أن تقع في أي منظومة، ولا توجد شبكة محصنة تماماً من الطوارئ. غير أن تكرارها يستحق تشخيصاً جدياً ومسؤولاً، بعيداً عن التبرير وبعيداً أيضاً عن الاتهام، لأن الهدف ليس العثور على كبش فداء، وإنما الوصول إلى الحقيقة.
ومن هنا تبدأ القضية الحقيقية: تشخيص الخلل قبل البحث عن المسؤول عنه. هل المشكلة في المعدات؟ في الشبكات؟ في الصيانة والوقاية؟ في الاحتياط؟ في التخطيط والاستثمار؟ أم أن هناك عوامل متداخلة تحتاج إلى معالجة متزامنة؟ وإذا احترقت معدات، فلا يكفي استبدالها وإعادة التيار؛ بل يجب معرفة سبب الحريق، وفحص المعدات المماثلة، والتأكد من عدم وجود خطر قابل للتكرار. فالإصلاح الذي يعيد الخدمة اليوم قد لا يكون كافياً إذا لم يمنع العطل غداً.
ثم يأتي السؤال الأهم : كيف نصل إلي حلول لهذه المشاكل المتكررة ؟
المطلوب هو خطة وطنية طويلة الأمد للطاقة، تقوم على تشخيص دقيق، واستثمارات واضحة، وبرنامج صارم للصيانة والوقاية وتجديد المعدات، واحتياط كاف ، وأهداف قابلة للقياس، وآليات واضحة للمراقبة والمساءلة. والأهم أن تكون هذه الخطة ثابتة في توجهها، بحيث تستمر مهما تغيرت الإدارات والمسؤولون عنها ،
كما ينبغي الاستعانة بالخبرات الأجنبية فالاستفادة من التجارب الاخري المتطورة قد تختصر سنوات من البناء وتساعد في تشخيص مكامن الخلل وقادرة أيضا علي تقديم حلول وفق المعايير الحديثة. لكن الاستعانة بالخبرة يجب أن تكون جسراً إلى بناء الخبرة الوطنية، لا بديلاً عنها، حتى تصبح الكفاءة المحلية قادرة على مواصلة التطوير والصيانة وحسن إدارة المنظومة.
ويبقى المواطن شريكاً في هذه المعادلة. فهو لا يطلب المستحيل، ولا يتوقع أن تختفي الأعطال من العالم، لكنه يريد أن يعرف الحقيقة: ما سبب الانقطاع؟ لماذا وقع الحريق؟ ماذا تم إصلاحه؟ وما الإجراءات التي ستمنع تكراره؟ إن اطلاع المواطن على مسار الإصلاح، وحدود المشكلة، والجهود المبذولة لمعالجتها ليس ترفاً إعلامياً، بل جزء من إدارة الأزمة وبناء الثقة. فالشفافية لا تمنع العطل، لكنها تمنع أن يتحول الغموض إلى شك، والشك إلى فقدان للثقة.
لذلك، علينا أن نخرج من ثقافة تقاذف المسؤوليات. لا يفيد أن تلعن كل مرحلة المرحلة التي سبقتها، ولا أن تبدأ كل إدارة من الصفر. ما تراكم خلال سنوات لا يمكن أن يُحل في أيام، لكنه يمكن أن يُعالج إذا توفرت رؤية ثابتة وإرادة جادة واستمرارية في التنفيذ. الطاقة قضية دولة، وخطتها يجب أن تكون أكبر من الأشخاص والحكومات والإدارات، وأن تُبنى على ما تحقق ويكون مشروع قومي يتطور عبر الزمن .
الكهرباء ليست مسؤولية شركة وحدها، ولا الوزارة الوصية وحدها؛ إنها منظومة متكاملة تتقاطع فيها مسؤوليات التسيير والرقابة والتخطيط والاستثمار والتنفيذ. لذلك، فإن معالجة الخلل لا ينبغي أن تقوم على تحميل طرف واحد كل المسؤولية، كما لا ينبغي أن تتحول الأعطال والحوادث إلى مناسبة لإعفاء أي طرف من مسؤوليته. المطلوب هو تكامل الأدوار، ووضوح المسؤوليات، ومتابعة جادة تضمن أن تتحول كل ملاحظة وكل حادث إلى إجراء تصحيحي يمنع تكراره. فالمسؤولية الحقيقية ليست في الوعد بأن الكهرباء لن تنقطع أبداً، فهذا غير واقعي، وإنما في بناء منظومة أكثر أماناً واستقراراً، قادرة على مواجهة الأعطال وتقليل آثارها والتعلم من كل حادث.
الحل لا يكون بأن نعيد تشغيل المنظومة بعد كل حريق ثم ننتظر الحادث التالي، ولا بأن نكتفي بتبادل الاتهامات؛ بل بأن نتوقف عند كل حادثة، ونبحث عن أسبابها بدقة، ونعالج مكامن الخلل قبل أن تتكرر. فالمطلوب ليس فقط إعادة الكهرباء، وإنما بناء منظومة أكثر أماناً وقدرة على الصمود، تستفيد من كل حادثة كدرس، ومن كل إصلاح كخطوة نحو حل مستدام. وعندما ننتقل من معالجة النتائج إلى الوقاية من الأسباب، نكون قد بدأنا فعلاً في حل الأزمة، لا في تأجيلها.
الإداري المالي : أحمد عابدين سيدي
@Ahmed Abidine Sidi
