في هجاء السيرك والشرطي الذي ضلّ طريقه...

أربعاء, 08/07/2026 - 10:59

الراصد : ​في "نواذيبو"، حيث يقف البحر شاهداً على بلادٍ يكسرها الطامعون وتجبرُها الأقدار، جرت فصول مسرحية رديئة الإخراج: سيارة مدنية تلاحق نائباً برلمانياً، تحاول دهسه ثم تخطئ، ليس لأن السائق يفتقد المهارة، بل لأن النص يقتضي ألا يموت البطل الآن. وحين يمسك به المناضلون، يبتسم الشاب المعتقل في أيديهم ويقول مستعطفاً: "يا قوم، إنما أنا شرطي جئت لحمايته!".

​هذه ليست نكتة سمجة، هذه هي السياسة في بلادنا حين ترتدي ثوب الهزل؛ يسير القاتل خلفك خطوة بخطوة، فإذا التفتَّ إليه، أشهر لك صكّ الأمان، وقال إنه ما تتبع خطاك إلا شوقاً إليك وخوفاً عليك!

​حليف الخفاء: كيف يصنع الطغاة أعداءهم؟

​دعونا لا نشتري الوهم، ودعونا لا نمدح حكومةً لم يُعرف عنها يوماً أنها تقيم للعدل وزناً أو تدين بدين الطهارة. لسنا هنا لنبرئ ساحة الفساد، فالنظام في جوهره سلطة تبحث عن البقاء بـ"أكل العيش" واللعب على حبال الخوف.

​لكن العبرة في هذه اللعبة بـ**"صانع الفزّاعة"**؛ إن رئيس حركة "إيرا"، بيرام، هو في حقيقة الأمر أثمن حلفاء هذا النظام. إنها هندسة الخوف الساطعة التي تضع المواطن البسيط، المنهك بين لقمة العيش وكرامته، أمام جدارين مسدودين:

​الجدار الأول: نظام فاسد، يسرق مالك ويهدم مشفاك، لكنه يترك لك أماناً هشاً تنام في ظله.

​الجدار الثاني: خطاب مشحون بالعرقية، يلوّح بالثأر، ويعد بحريق لا يبقي ولا يذر تحت مسمى الحقوق.

​حينها، ينظر المواطن الخائف يمنة ويسرة، فيختار لصوص النخبة الذين يعرفهم، خوفاً من حارقي الأوطان الذين لا يعرف ماذا يخبئون تحت عباءاتهم. يحتاج النظام إلى بيرام مخيفاً ومحاصَراً ليبقى النظام ملجأً وحيداً، ويحتاج بيرام إلى حصار النظام ليظل بطلاً جريحاً. هما في الحقيقة شريكان في شركة مساهمة، لافتتها "الوطن"، وأرباحها مقسمة بينهما بانتظام.

​عندما تسقط "الفكرة" في بئر "الشريحة"

​المأساة هنا ليست في كذبة الشرطي، بل في انكسار النضال نفسه.

​"إن أعظم خطيئة ترتكبها الأيديولوجيا، هي أن تخلع ثوب 'الفكرة الإنسانية' الرّحب، وتلبس قميص 'العرق' الضيق. عندها، يتوقف الأشبال عن القتال من أجل 'الحق والعدل'، ويبدأون في القتال من أجل 'الحصة والشريحة'."

​لقد بدأت "إيرا" كصرخة عادلة بوجه الظلم التاريخي والعبودية، وهي قضايا لا يختلف عليها ذو مروءة. لكن، وا أسفاه، حين تتحول القضية الحقوقية إلى خندق شريحي مغلق، تفقد القضية طهارتها وتتحول إلى أداة لتقسيم الغنائم. لم يعد الأنصار يدافعون عن فكرة عابرة للألوان، بل أصبحت الفكرة نفسها مجرد رهينة ديمغرافية في سوق المزايدات.

​خاتمة.. على حافة المسرح

​حين قالت الشرطة إنها كانت "تحمي" بيرام، لم تكن تكذب تماماً، بل كانت تعبّر عن باطن الأمر دون تقية. هم يحمون "العدو النموذجي" الذي بسببه يقبل الناس بحكم الفاسدين.

​بينما يستمر هذا العرض المسرحي في نواذيبو، يقف المواطن الموريتاني وحيداً على رصيف الانتظار، يتأمل السيرك ويتمتم بمرارة: "ألا يوجد في هذه البلاد ممر ثالث.. ينجينا من لصوص الجيوب، ولا يسلمنا لحارقي البيوت؟"

70#