آكْ صمبا، آكْ دمبا / جدو ولد خطري

جمعة, 03/07/2026 - 11:39

الراصد : تنساب مياه النهر بين الجداول الصغيرة، تعانق جذوع أشجار " أتيْدوم " العتيقة التي ترسم ظلالها الطويلة على الرمال الذهبية، وتتمايل أشجار " دَمْبُّو" كأعلام صامتة في نسيم المساء العليل. على ضفة النهر، تتناثر أكواخ من القش والطين، تتوسطها ساحة واسعة، وفي قلبها يجلس الشيخ عصمان، نبيل في قومه ، عمامة بيضاء تلف جبينه، سحنة وقارٍ ولسان يلهج بآيات الله، ثروته ليست ذهباً ولا فضة، بل قطعان من الأبقار البيضاء كالغيوم الممطرة، وغنم " أنْضّال " تملأ الأفق حتى مد البصر. كان هذا الرجل المتواضع التعليم، الغني بالتدين والتقوى، قد استطاع بوقاره وأخلاقه أن يكون شيخاً للقرية، يحترمه الصغير قبل الكبير، ويأتمنه الغني قبل الفقير.

 

 

 

كان للشيخ عصمان زوجة أولى، رزق منها بابنين، سماهما إبراهيم وموسى، وكان دائم الصلاة يختم فيها بسورة الأعلى، مردداً بخشوع الآية الكريمة: "صحف إبراهيم وموسى"، فيشعر ابناه بالفخر الخفي وهما يسمعان اسميهما يتكرران في صلاة والدهما كل يوم. لكن الأيام حملت تغييراً، فتزوج الشيخ عصمان امرأة ثانية، ابنة أسرة غنية عريقة، مدللة منذ نعومة أظفارها، تحيط بها جواريها وندماؤها، وتعيش عيشة بذخ وسرف، وأقامت حولها ما يشبه البلاط الملكي، فهي كثيرة العطاء للفنانين والشعراء، وتقيم الموائد التي يحضرها أعيان القرية وفقهاؤها ، حتى شيخ " المحظرة " القرآنية لم يكن يخلو جيبه من صلاتها وعطاياها. ورزق الشيخ من هذه الزوجة بابنين آخرين، سماهما صمب و دمبا، فنشأ الطفلان في كنف أمهما المدللة، بينما ظل الشيخ على عادته في الصلاة، يختم سورة الأعلى باسمي إبراهيم وموسى .

 

 

 

وفي ليلة مقمرة، همست إحدى نساء البلاط في أذن الزوجة الثانية: "ألا ترين أن زوجك يذكر في صلاته ابنَي الأولى كل يوم، ويصمت عن ابنيك أنت، وأنتِ سيدة النعماء وابنة الأكرمين، كيف يرضى لكِ قلبك بهذا الهوان؟" فاشتعلت الغيرة في قلب المرأة كالنار في الهشيم، وأقبلت على الشيخ غاضبة ثائرة، وقالت له: "إما أن تذكر ابنيّ في صلاتك كما تذكر ابنَي الأخرى، وإلا فالفراق بيني وبينك، فابناي أفضل وأجمل منهما". أحب الشيخ عصمان هذه المرأة حباً جمّاً، لكنه كان يخاف الله ولا يستطيع أن يزيد في كتابه ما ليس منه، فأخذ يشاور صديقه الوفي المقرب، الذي نصحه قائلاً: "لا تطعها في هذا، فإنه أمر جلل سيغضب الله عليك، وسيحتقرك أهل القرية، وسيسقط وقارك وهيبتك إلى الأبد، أعطها ما تشاء من المال والهدايا لترضى، وتجنب قراءة سورة الأعلى في صلاتك الجهرية إن استطعت".

 

 

 

لكن المرأة رفضت كل العروض، وأصرت على مطلبها، وأخذ محيطها المنافق يحثها ويزيدها إصراراً، حتى الأعيان الذين كانوا يأكلون من كرمها ويتمتعون بعطاياها، قالوا للشيخ: "يمكنك أن تضيف اسمي صمب ودمبا بعد إبراهيم وموسى، لا حرج في ذلك، فهي رغبة بسيطة، ولمن فيها من المصالح أن ترضيها". استشار الشيخ صديقه الوفي مرة أخرى، فقال له: "إن هذا ليس في مصلحتك الدنيوية ولا الأخروية، ستسقط هيبتك ويفقد الناس ثقتك، وسيضحك عليك أعداؤك من ورائك". وتقاتل في نفسه خوفان: خوف من غضب الله إن أضاف، وخوف من فراقها إن امتنع، وتنازعته رغبتان: رغبة في إرضائها ورغبة في التمسك بثوابته، فبات ليله أرق من نار، وكلما همَّ بالنوم أيقظه صراعه الداخلي، يتمنى لو يجد مخرجاً يرضيها دون أن يغضب ربه.

 

 

 

وفي إحدى الليالي، وقف الشيخ عصمان ليصلي بالناس صلاة العشاء، والصفوف خلفه مصطفة، وقلبه يخفق بشدة، وجبينه يتصبب عرقاً، قرأ الفاتحة ثم سورة الأعلى، وعندما وصل إلى الآية التي يختم بها، توقف لحظة وجيزة، ثم قال بصوت مبحوح مرتجف: "صحف إبراهيم وموسى أكْ صمبا أكْ دمبا"، و " آكْ" تعني " و" وكبر للركوع. في تلك اللحظة، سقط صديقه الوفي من هول ما سمع، مغشياً عليه، بينما ارتفع زغاريد نساء البلاط وضحكات محيط الزوجة المنتصرة، وهم يتابعون الصلاة وكأنهم حققوا نصراً عظيماً. أما النساء الأخريات وأهل القرية، فسكتوا في دهشة وصمت ثقيل، يشعرون أن شيئاً ما قد انكسر في تلك الليلة، أن قداسة ووقار الشيخ قد تداعيا كبيت من ورق في عاصفة.

 

 

 

ومنذ تلك الليلة، تبدلت الأحوال في القرية. صار محيط الزوجة ومن كان يبرر له ما فعل يضحكون خلفه في الصلاة، ويهزأون به في مجالسهم، وصارت الثقة التي كان يمنحها الناس للشيخ تتحول إلى تساؤلات، وصار الأطفال يقلدونه في صوته المرتجف، والنساء يتهامسن في أسواق القرية: "هل يصلي الشيخ بما يحفظ أم بما يملي عليه البيت؟" وصارت القرية كلها تهمس خلفه: "لقد ضحى الشيخ بدينه من أجل امرأة"، بل إن بعضهم كان يتعمد تأخير الصلاة أو ترك الجماعة خلفه، فلم يعد لصفه الأول ذلك الزحام، ولم يعد لصوته ذلك الخشوع الذي كان يجذب القلوب، بل صار الناس يصلون خلفه تبركاً بصلاة الجماعة لا تبركاً بشخصه، وبقي الشيخ وحيداً في ساحة القرية، ينظر إلى النهر الذي لا يغير مجراه، وإلى أشجار" أتيدوم " التي لا تهتز، وإلى السماء التي لا تبدل كلماتها، يذكر أنه خان ربه في كلماته، وأنه آثر رضى امرأة على رضى الخالق، فخسر الدنيا والآخرة، وبقي صوته في صلاته يرتجف إلى آخر أيامه، وصارت الآية التي كان يرددها بخشوع، سبب سقوطه وهوانه على الناس.

 

 

 

وليس هناك ما يهدم هيبة المسؤول أو المؤسسة، أو يزعزع ثقة الجمهور بها، كأن يرى الناس أن ثوابتها العليا تُعاد صياغتها وفق مزاج جماعات النفوذ، وأن رموزها الجوهرية قابلة للتفاوض تحت الضغط. حين يرضخ المسؤول لضغوط فئة نافذة فيعدل في خطابه الجوهري أو مرجعياته الثابتة، وإن بدا أنه يحل أزمة لحظية، فإنه يبدأ في تذويب أغلى ما يملك: شرعيته الأخلاقية. فالهيبة التي تبنى بسنين من الوقار، تنهار في لحظة ضعف واحدة، وكل تنازل يُقرأ من الجمهور على أنه هوان، وكل مساومة على الثوابت تُقرأ على أنها مدخل للفساد الذي يقوض المؤسسة من داخلها، فمحاربة الفساد تبدأ من مقاومة الضغوط التي تدفع إلى الانحراف عن المبادئ، وليس فقط بملاحقة نتائجه. غير أن المأساة لا تكتمل بفعل المسؤول وحده، بل بتواطئ النخبة من حوله، حين يصبح المقربون مرآة تعكس رغبات القوة لا صوتاً للحق، فيغطون الانحراف بالتبرير مقابل منافع عاجلة، ويُقصى الناصح الأمين أو يُهمش صوته. وهنا يتحول المشهد من خطاب جامع إلى سوق مساومات، وتفقد المؤسسة بوصلتها، ويبقى المسؤول وحيداً في ساحته، متذكراً أنه خسر ثقة الناس حين آثر رضى فئة على ثوابت رسالته، وحين صمت محيطه عن قول الحقيقة، فبات الصوت الناصح في الغياب، والجميع يردد ما يرضي الجماعة دون نظر إلى العواقب.