من الصحراء إلى النهر: موريتانيا جسر التاريخ والإنسان بين المغرب والسنغال

جمعة, 16/01/2026 - 12:33

الراصد : في ذاكرة المنطقة المغاربية وغرب إفريقيا، لا تبدو العلاقات بين المغرب وموريتانيا والسنغال مجرد خطوط على خرائط قديمة، ولا مجرد تواصل جغرافي فرضته الجوار والمسافات، بل هي حكاية إنسانية طويلة نسجتها القرون، وتداخلت فيها المصالح بالمشاعر، والسياسة بالثقافة، والدم بالنهر والصحراء. وفي قلب هذه الحكاية، وقفت موريتانيا بوصفها نقطة الارتكاز التي ربطت شمال الصحراء بجنوبها، وجعلت من المجال الصحراوي جسرًا حيًّا يصل المغرب بوادي السنغال.
هذا العمق التاريخي يتجلى بوضوح في المصاهرات السياسية التي تجاوزت حدود القبيلة والكيان، لتؤسس روابط إنسانية وثقافية ما تزال أصداؤها حاضرة إلى اليوم. فمن الصحراء الموريتانية، خرجت خناثة بنت بكار بن عبد الله، ابنة أمير لبراكنة، لتدخل البلاط العلوي زوجةً للسلطان المغربي المولى إسماعيل. لم تكن خناثة امرأة عابرة في سجل التاريخ، بل شخصية ذات نفوذ وعلم ورأي، لعبت أدوارًا سياسية بارزة، وأصبحت لاحقًا والدة السلطان المولى عبد الله بن المولى إسماعيل. وكان هذا الزواج، في عمقه، أكثر من علاقة أسرية؛ كان اعترافًا بمكانة الفضاء الموريتاني ودوره في التوازنات السياسية والثقافية للمغرب، وجسرًا رمزيًا يربط الدولة العلوية بعمقها الصحراوي.
وفي الاتجاه الآخر، نحو الجنوب، نسجت إمارة الترارزة علاقات مماثلة مع ممالك وادي السنغال، حيث تزوج أميرها محمد لحبيب من جمبت امبوج، أميرة مملكة والو السنغالية. ومن هذا الزواج وُلد اعلي بن محمد لحبيب، الذي حمل لقب «أمير الضفتين»، وهو لقب لم يكن مجرد تسمية، بل تعبيرًا عن واقع اجتماعي وثقافي موحّد، تتقاسم فيه ضفّتا نهر السنغال الذاكرة والعادات والمصير، وتؤدي فيه موريتانيا دور الوسيط الطبيعي بين العالم العربي-الأمازيغي في الشمال والمجتمعات الإفريقية في الجنوب.
تكشف هذه المصاهرات أن موريتانيا لم تكن هامشًا بين قوتين، ولا مجرد ممر عابر، بل كانت مركز التقاء حضاري حقيقي. فمن رمالها عبر العلماء، ومن أسواقها مرّ التجار، وعلى طرقها انتشر المتصوفة، حاملين معهم اللغة والدين والمعرفة، كما حملوا في المقابل إيقاعات الجنوب وتقاليده وروحه الجماعية. وفي هذا الفضاء المفتوح، تلاقحت اللغات، وتشابكت العادات، وتكوّنت أنماط عيش مشتركة صنعت هوية عابرة للحدود.
من هنا، لا يمكن قراءة تاريخ العلاقات بين المغرب والسنغال بمعزل عن الدور المحوري لموريتانيا، التي شكّلت عبر القرون حلقة الوصل وميزان التوازن بين الشمال والجنوب. فهي الأرض التي جمعت الصحراء بالنهر، والعروبة بإفريقيا، والسياسة بالإنسان. تاريخٌ لم يُكتب بالحروب وحدها، بل بالمصاهرة، وبالرحلة، وبالعيش المشترك، وما تزال ملامحه حاضرة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة، شاهدة على وحدة إنسانية سبقت الحدود الحديثة وتجاوزتها.