هوامش على زيارة الرئيس

سبت, 26/09/2026 - 23:13

الراصد: بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

تعوّد الشعب الموريتاني من رؤسائه أنه كلمّا ادلهمّ الخطب، وساءت الأوضاع واسْتُهلك النظام، وأخذت حلقاته في الاحتكاك وطارد الأشباح وحبسَ على الناس أنفاسهم أن يلجأ إلى زيارات استعراضية لتلهية المواطنين وتسليتهم عما يعانون من سوء الأوضاع المعيشية والسياسية. وقد اعتدنا في مثل هذه الزيارات أن يقف الرئيس محلقاً في السماء ومنظراً، ومبدياً عضلاته الثقافية بصفته الأَنْمُوذَج في الأخلاق والعلم، وبصفته المشفِق على الأمة والحامل لَهَمِّهَا والسَّاعِي إلى خلاصها وإصلاحها!

 

لكن ما نسيه أو تناساه رئيس اليوم هو أن القضايا النظرية أصبحت ميسورة ومبثوثة في الفضاءات الافتراضية، وأنها لم تعد مزية لفرد على آخر، ثم إنّ واقع الأمة يقول بلسان حالها: نحن أحوج إلى رئيس فعّال منّا إلى رئيس قَوَّال. وأن الدروس النظرية تفقد قيمتها إذا ناقضها سلوك القائل، وذلك ما أفقد الشعب ثقته في الخطابات الرسمية. وهذا ما خشِيَهُ أحد علماء السلف عندما شكا له الناس سوء معاملة الأسياد للرقيق وطلبوا منه أن يخطب في الناس مطالباً إياهم بتحرير الأرقاء، وبعد سنة كاملة وقف خطيباً داعياً إلى تحرير الأرقاء، فقالوا له لمَ تأخرت كل هذا الوقت؟ فرد عليهم: لم يكن عندي ما أشتري به رقيقاً لأعتقه فلا أستطيع أن أدعو الناس إلا إلى أمر كنت قدوة فيه. فمن يستمع إلى خطابات رؤسائنا يظن أنهم غير مسؤولين عن الواقع، وأن ليس لهم دور فيه، وأنه لم يكن بإمكانهم تفاديه أو تغييره، أو على الأقل المساهمة في ذلك. وكأنهم يستحضرون قول الشاعر مطر: "أكل هذا حاصل في بلدي؟!"، وكأنهم لم يكونوا يوماً من الأيام شركاء في الأسباب التي أدت إلى الواقع الفاسد. فمن وفر الأمن لنظام حكم عليه بالفساد أليس عليه كثير من وزره؟ ومن ضلل الجماهير وغالطها وحشدها وأقسم أمامها على صلاح نظام فاسد - وهو في موقع لا يعذر فيه بالجهل - ألا يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أفعاله؟ أليست المسؤولية السياسية قريبة أو مساوية للمسؤولية الجنائية؟ أم أننا نفصل بين الأمرين، فمن روج لمنكر أو جريمة وهُيّأ لها الشروط والظروف لا شيء عليه!! ومن حَشَد النواب للتوقيع على المأمورية الثالثة في سعيٍ واضح لخرق الدستور لا يعتبر مسؤولاً عن تكريس هذه الرذيلة السياسية؟ بل يمكنه في أي وقت أن يقف متحسراً على واقع موريتانيا متسائلاً إلى أين تسير؟

 

من جهة أخرى، إذا وضعنا هذه التساؤلات جانباً، وحاولنا أن تتَقَبَّلَ عقولنا المنهج السفسطائي، ماذا قام به النظام الحالي للإجابة على السؤال إلى أين تسير موريتانيا؟

 

ما هي المؤشرات الدالة على إرادته الصادقة لتغيير وجهتها إلى الوجهة الصحيحة، وجهة البناء والنمو والازدهار؟

 

إن الازدهار والنمو والرفاهية إذا لم تقُمْ على أسس صلبة من الاستقرار والوئام والسلم الاجتماعي فهي في مهب الريح، كمن يشيد عمارة من عدة طوابق على غير أساس متين... وأول تلك الأسس النظام السياسي المبني على قواعد شفافة حرة ونزيهة، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لإقامة دولة القانون التي ينشأ في إطارها مفهوم المواطنة (تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات)، ثم تأتي بعد ذلك الحكامة الرشيدة. فلا معنى للكلام عن الشفافية المالية في غياب الشفافية السياسية. فأي نظام شرعيته السياسية ناقصة ستكون الشفافية المالية له ناقصة كذلك أو معدومة. فمن كانت شرعيته السياسية قائمة على وسطاء بينه وبين الشعب، فهو مسؤول عن إرضاء الوسطاء لا عن إرضاء الشعب، وإرضاء الوسطاء لا بد فيه من المحاباة وتعيين غير الأكفاء (الفساد الإداري)، والتغاضي عن أخطائهم في التسيير والإدارة، وعندئذ تنخرم قاعدة المساواة بين الأعيان وبين عموم المواطنين، ويومها تكون المحاسبة في حق الضعيف أو الخصم السياسي فقط، ولا تكون خياراً جدياً للنظام، ونتيجة لذلك يفقد الشعب ثقته في النظام السياسي ككل.

 

فلو جئنا نسأل الرئيس المتحسر اليوم على واقع البلد وأين يسير بماذا أسهم هو فيه بغية تحسين هذا الواقع والدفع به إلى الأفضل بعد أن كان الشخص الثاني منذ انقلاب 2005 إلى أن تم "انتخابه" رئيساً للبلاد؟

 

ألم نكن اليوم أبعد من النظام الديمقراطي الشفاف؟ ألم يتكرس فينا اليوم التسليم لأصحاب السابقة العسكرية بقيادة المشهد (رئاسة الجمهورية، رئاسة البرلمان) بعد أن كنا قد حررنا الواجهة البرلمانية في نظام ولد الطائع وحررنا المقعدين – شكلاً على الأقل – بعد المرحلة الانتقالية قبل انقلاب "المحمدين"؟

 

وفي هذا الإطار، أليس النظام الحالي هو من سَنَّ قانون الرموز؟ أليس هو من سجن النواب وجردهم من حرياتهم السياسية غير آبه بأن دولة كموريتانيا عششت وفرخت فيها الأنظمة السياسية الاستبدادية والاجتماعية الإقطاعية تحتاج هزات من التعبير الخاطئ أحياناً لكن الخطأ في الحرية خير وأفضل من الصواب في الديكتاتورية؟ ألم يتلكأ بل يتراجع أكثر من مرة عن كل طلبات الحوار السياسي حتى مضى على حكمه سبع سنوات؟

 

ألم يمنح الثقة الزائدة للمقربين على حساب القانون (التقاعد) وعلى حساب غيرهم من الموريتانيين (المساواة) ليصبح النظام أقرب إلى نظام مشيخي بدل نظام دولة حديثة؟

 

أليست مراسيم زيارات الرئيس اليوم أسوأ من مراسم زيارات الرئيس الراحل المختار ولد داداه صاحب القول المنوه عنها؟

 

فهل رَشَّدَ الرئيس الحالي الإنفاق العمومي في الزيارات، وهل حاسب المسؤولين على غيابهم عن عملهم من أجل استقباله؟ وهل رفض اللقاءات والاستعراضات القبلية؟

 

من جهة ثالثة، هناك نوع من تبرير الواقع الاجتماعي والسياسي الفاسد للدولة بفتوتها وحداثتها، وهذا منطق قديم جديد. ونسي أولئك أنه عندما تتوفر فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لأمة ما، فإنها تحرق مراحل الزمن، ولكم أن تقارنوا بين مسيرة اليابان التي طُحِنَت في الحرب العالمية الثانية وبين مسيرة مصر العريقة، ولكم أن تقارنوا الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الأوروبية راسخة القدم في التاريخ والحضارة (بريطانيا – فرنسا).

 

وحتى لا يقال إن هذه الأمثلة خيالية وغير واقعية، لكم أن تقارنوا موريتانيا مع نظيراتها في ظروف النشأة والطبيعة الاجتماعية مع ما تتفوق به موريتانيا من موارد اقتصادية وموقع استراتيجي.

 

إن كلام الرئيس عن واقع البلد واحتياجاته التنموية وأهمية ولوج المواطنين إلى الاحتياجات الضرورية أمر مثير للدهشة والاستغراب؛ فلو أن الموارد غير متوفرة والناس في عافية ضريبية لكان الأمر مستساغاً. أما أن تجبى الضرائب على أنفاس المواطنين وأن تُنفِق الحكومة خلال سنواتها السبع حوالي 7000 مليار أوقية - دون الإنفاق من خارج الميزانية - في بلد تعداد سكانه أربعة ملايين، ومع ذلك لا تسد خلة الناس من أَبَسَطَ الضروريات (الماء والكهرباء) فهذا لا يستقيم بأي منطق.

 

إنّ التبرير بقصر عمر الدولة، والقيام بالزيارات الاستعراضية لحل الإشكالات القائمة يترجم عبقرية الفشل في الإجابة على السؤال إلى أي وجهة تسير موريتانيا.

 

هل يريد الرئيس أن يبقى محايداً في تحديد وجهة الدولة؟ أم يريد أن يقول إن عليه أن يسارها حيث اتجهت (وما جبنت خيلي ولكن تذكرت مرابطها).

 

أم يريد أن يستشهد بقولة ولد داداه، ليقول: هذه حالكم منذ ستين سنة وهذه السلبيات ملازمة لكم ولست أنا من سيغيرها.