
الراصد : من أكبر المفارقات في هذا البلد أن النظام يتحدث صباح مساء عن التنمية و اللامركزية و تقريب الإدارة من المواطن بينما يمارس في الواقع سياسة خنق واضحة للمستشار الجهوي ذلك المنتخب الذي يحمل صوت الشعب داخل الجهات و حامل هموم المواطنين و آمالهم .
فأي معنى للامركزية إذا كانت الجهة بلا صلاحيات ؟
و أي قيمة لمستشار جهوي يُ
نتخب بأصوات الناس ثم يترك بلا وسائل بلا ميزانية بلا نفوذ إداري و بلا احترام سياسي أو معنوي ؟
الحقيقة التي لم تعد خافية أن السلطة القائمة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إفراغ المجالس الجهوية من مضمونها و تحولها إلى هياكل عاجزة لا تملك من أمرها شيئا. و الدليل واضح في عدة نقاط لا يمكن إنكارها .
أولا : ما تزال القرارات التنموية و المالية مركزة بيد السلطة المركزية بينما تترك الجهات في حالة انتظار دائم لما تقرره الوزارات في العاصمة .
ثانيا : المستشار الجهوي لا يتمتع بأي امتياز أو حماية أو وسائل تمكنه من متابعة قضايا المواطنين الذين انتخبوه رغم أنه يتحمل أعباء اجتماعية و سياسية كبيرة .
ثالثا : الدولة لم توفر حتى الآن تكوينا حقيقيا و لا آليات عمل حديثة للمجالس الجهوية مما يؤكد غياب الإرادة السياسية الجادة في تفعيل دورها .
رابعا : يتم التعامل مع المنتخب الجهوي و كأنه عبء إداري لا شريك أساسي في التنمية و صناعة القرار .
إن النظام الذي يخشى إعطاء الصلاحيات للجهات و يخشى تمكين المستشار من أداء دوره هو نظام ما يزال أسير العقلية المركزية القديمة التي أثبتت فشلها في تحقيق العدالة التنموية و الدليل على ذلك أن عشرات المناطق ما تزال تعيش التهميش و العزلة و غياب أبسط الخدمات رغم كثرة الخطابات و الشعارات .
فلو كانت الدولة جادة فعلا في الإصلاح لبدأت بإعطاء المنتخب المحلي مكانته الحقيقية لأنه الأعرف بحاجات السكان و الأقرب إلى مشاكلهم و الأقدر على مراقبة تنفيذ المشاريع على أرض الواقع .
إن إضعاف المستشار الجهوي خطأ إداري و قرار سياسي خطير نتائجه واضحة .
تعطيل التنمية المحلية .
توسيع الهوة بين المواطن و الدولة .
قتل روح المشاركة السياسية .
تحويل الانتخابات إلى عملية شكلية لا أثر لها على الواقع .
و لذلك فإن السؤال المشروع اليوم هو : هل تريد السلطة فعلا بناء تنمية تشاركية حقيقية ؟
أم أنها تريد مجرد واجهات انتخابية بلا تأثير و مجالس بلا روح و مستشارين بلا صلاحيات ؟
إن الشعب الذي منح صوته للمستشار الجهوي لم يمنحه ليكون شاهدا صامتا داخل مؤسسة مشلولة بل ليكون مدافعا عن حقوقه و صانعا للتغيير و شريكا في القرار .
و النظام يهمش هذا الدور و يهمش إرادة الشعب نفسها .
مكي السالك عبدالله
نائب رئيس جهة نواذيبو
