
الراصد : في منطق الجغرافيا السياسية، يظل مضيق هرمز عقدة اختناق قبل أن يكون أداة خطاب سياسي؛ أي أن أهميته نابعة من موقعه البنيوي في شبكة الطاقة العالمية، لا فقط من كيفية توظيفه ظرفيا. ما جرى من فتحٍ وإغلاقٍ متتال يمكن فهمه ضمن “تكتيك الإشارة” بالفعل، لكنه أيضا محكوم بقيود صلبة: كلفة التعطيل على جميع الأطراف، وحدود القدرة على التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
من جهة، تدرك إيران أن التلويح بإغلاق المضيق يمنحها رافعة تفاوضية في مواجهة الضغوط، خاصة في ظل توتر علاقتها مع الولايات المتحدة وحلفائها. ومن جهة أخرى، تعتمد اقتصادات الخليج—خصوصا السعودية والإمارات—على انسيابية المرور، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد مكلفا حتى لمن يلوح به، نظرا لتشابك المصالح وسلاسل الإمداد.
الأهم أن “سياسة التقلب” هنا ليست استراتيجية قائمة بذاتها بقدر ما هي أداة ضمن توازن ردع هش: رسائل قصيرة المدى تدار بعناية لتفادي كسر الخطوط الحمراء. فالإغلاق الكامل والمستدام ليس خيارا سهلا، لأنه قد يستدعي ردا دوليا مباشرا، ويهدد بتدويل الأزمة على نحو يفقد الفاعل الإقليمي هامش المناورة.
بالتالي، ما نراه ليس انتقالا كاملا من “حل الأزمات” إلى “إدارتها”، بل تداخل بين الاثنين: إدارة محسوبة للتوتر للحفاظ على أوراق الضغط، مع إبقاء الباب مواريا لتسويات تكتيكية. هرمز، في هذا السياق، يظل مرآة لصراع أوسع، نعم، لكنه أيضا قيد على هذا الصراع بقدر ما هو أداة فيه.
