ذات إقامة. ......ا

ثلاثاء, 10/01/2023 - 09:39

الراصد: أقمتُ مرَّة في ضاحية باريسية نائية، أقربُ إلى "تنويش" باريس، لسببين أحدهما يَجرُّ الآخر، الأول قُربها من مستشفى هوَّ دافع قدومي إلى فرنسا، والثاني انخفاض قيمة الإيجار،.. الضاحية خالية من اغراءات المدينة الجاذبة، تتشكل من دور صغيرة مسقوفة بالقرميد، أهَمّ معالمها ساحة متوسِّطة، تُطلُّ عليها دار سينما ومحطة للحافلات وسلسلة أكشاك ومحلات ومطاعم، ويتفرع منها مُنتزه.

كان الطقس ينسلخ بثباتٍ من الخريف نحو الشتاء، وتُوشك الشَّمس أن تلتفتَ عن مدينة النُّور.. ولذا أراكمُ فوقي طبقات ثقيلة من الصُّوف،.. فبطبعي شديدة التَّحسس للبرد. 
في الساعات التي لا ننشغل فيها بالرَّكض في أعقاب الوقت بين إجراءاتٍ ومُعايداتٍ في المشفى، كنتُ ومَنْ أرافقه ننزل ضُحًى صَوْب المُنتزه، نتشمَّس كذوات الدَّم البارد، وقد يدفعا "استحفي" لامتطاء بعض الآلات الرِّياضية المُثبَّتة، اختارُ عادة آلة تسمح لي بتحريكها وأنا واقفة حتى لا اضطر لفتح معطفي،.. ستتوالى الأيام، وأعتادُ حضورَ صُحبة من عجائز، من اثنتين إلى ثلاثة، يجلسن على نفس المقعد المُجاور للآلة،.. وقد أخذتهُن السنين في هُبوط إلى أسفل السَّفح الآخر من العُمر، السَّفح المُقابل للختام، نُلقي عليهن التَّحية فتَتنقَّـل نظراتهن وراءنا،.. ضَحِكَ مُرافقي ذات مرَّة، فطلبتُ منه أنْ يُشرِكني، فقال:«العجائز هناك!،.. ينظرنَ شزرا، الأكيد أنَّ تفكيرهن يقودهن إلى أنَّك حالة من حالات القَهر بالحجاب، وبأنِّي وراء كَمّ الملابس الذي يمنعك من التَّشمُّس "بحرية"،.. ولاهُمْ عارْفاتْ عنِّي أشْكَمْ اسْلاكَهْ».

يومها، كانت فرنسا تعيش جوًّا عدائيا مبعثه نقاش ساخنٌ حول الحجاب، وحول إجازة قانونٍ يمنع النِّقاب في الأماكن العامة.
الأدمغة ما تزال مُسمَّمَة بعد سنة طويلة من الجَدل الإعلامي، احتدمت بالمُحاجَّات والصّدامات اللفظية، مدعومة بما تُخزِّنه الذاكرة الغَربيَّة من دونِيَّة عن صُورة المرأة المُسلمة ،"المقهورة" نفسيا واجتماعيا في إرَادَتها ورِدائِها،.. وتصاعدت الحَملة نفورًا تجاه كل ما يرمز للانتماء الدِّيني، ممَّا لا يتناغم مع القواعد التي تضمن احترام "مبدأ" العلمانية، وهو مَبدأ تلبسه فرنسا السياسية كُلَّما طاردتها تُهمة عدم الحيَّاد الدّيني، في أعقاب جولات التنمُّر التي يَفتَعِلها خُبث السَّاسة وتُوقظها خَبائث السّياسة،.. فغالبًا إنْ تعلَّق الأمر بالإسلام والانتخابات يتعمَّدون الخَلط بين الشَّحم والوَرم.
كان عليَّ إذن أن لا أُغطِّي وجهي، حتَّى لا "أتَنقَّب"، لكن خامَتِي الإفريقية مُعادية للبرد، وقد اسْحب دون وعي طرفَ خِماري نحو أنفي، فأتجاوز إلى حُدود ما يَدخل قانونًا في المَحظورات وتَحذره النَّظَرات.

تَتْرى أيَّام الإقامة في روتين ذاهلٍ عن مَفاتن باريس، أوزِّعُ وقتي بين المُستشفى واستقبال محدود لأقارب أو أصدقاء، فالكل مُكبَّل بشُغله،.. وذات نزولٍ للمنتزه كُنت لوحدي، سألني رهط العجائز: «أين رفيقك؟» قلت: «في المستشفى»، ثم سؤال يَلِدُ جَوابًا،.. حتَّى ارضيتُ المُتَقبَّـل من فُضولهن، ففي هذا العُمر المُثقل بقسوة الانفراد وتَراكم الخَسارات الجَسدية،  يُحسن عجائز الغرب التَّسكع في المُنتزهات، واقتفاء أثرِ تابوتٍ في مأتم رفيق أوصديق، كدُربة مُسبقة على الرَّحيل.. فالجديد في حياتهم يَنُوس بين خَبرين، خبرٌ يُؤبِّنُ فقيدًا رَحلَ وآخر يُؤَذِّن لفَقْدٍ حلَّ.
استأذنتُ منهن وانتَحيتُ جانبًا على دكَّةٍ مُجاورة،.. انسحبتُ عنهن لقضاء وقتٍ في دائرة الظِّل النفسي شِبه الفارغة، ألجمُ إغراء النُّطق، مع أنِّي أودُّ تحرير قلقٍ يَصرخ بي، فأتحيَّلُ عليه وأحاصره بكتمانه،... 

مرض الأحبَّة يَجعلنا في شُغل مع أنفسنا،.. وإنْ تعلَّق الأمر بالألم أركنُ إلى الله، إلى خلوتي بنفسي، وإلى وحشةِ الصَّمت، فالانعزال صديقٌ شخصيُّ رحيم، ومن حسناته أنَّه يجعلني في مَقام الحُرِّ في شأنِ عَبْراته.. ولذَا أكرهُ صَخبَ مُستشفياتنا، وعبثيَّة مُعايداتنا، ومَسرحياتِ مُصاحَبَاتِنا للمريض، واجتياح كُلّ رعايَا العشيرة وأحلافها لغُرفته، ليوقِّعوا فوقَ ألمِهِ براءة ذمَّة اجتماعية تُفيد بأنَّهم زاروه مُجتمعين،.. هذه الكارثة، تُفاقم من نكبة الأداء الوظيفي لمنظومتنا الصِّحية المُعتلة أصلا،.. 
حين يأتيني المخاض لا يُرافقني أكثر من شخصين، والد المولود وسيّدة تتكفل به، وأجعل من وِلادَتي سرًّا من أسرارِ أمْنِ الدَّولة، لأتَنَكَّب مَجرى عواطف الآلتراس الأُسري المتحمّس.. فأريحُ وأستَريح.

تَبِعتْني احدى العجائز "تعاطفا"، ثم تلتها الأخرى، وجلسنا حَذْوَ الرُّكبة بالرُّكبة،.. فأنا بحاجة لمن يُحدِّثني وهُنَّ بحاجة لمن يُشبع بالإصغاء جُوعهن للكلام، فانخرطنا في دردشة استكشافية، سوف نفتَتِحُ بها صداقةً عابرة، من نوع صَداقات الموانئ والمطارات خلال الرَّحلات،.. 
الوحدة تدفعهن لقنص لحظاتٍ ودِّية من دفئ مُحتمل لدى العابرين مِثلي، إذ لم يعد  بمقدورهن الانخراط في حياة اجتماعية تتطلب إنفاقا،.. 
قدَّمتُ نفسي بنصفِ اسمي، كشفتُ عن جنسيتي، فانطلقنَ في تِعداد مُغْويَّاتٍ سياحيَّة أجهلنا عن بلدي، استغربتُ!،.. ثم اكتشفتُ أنَّ ما عنَيْنَه جُزر مُوريس.. أخذتُهُنَّ نُزولاً مع الخريطة من الشّمال نحو شواطئنا، فشهقت احداهن:«"شارلين"، لقد مَمرنا من هُناك في رحلتنا البَحرية نحو الكابْ». 

وفي وثبةِ حنين، تنازعنَ الحديثَ، يَسرُدْن من رواسب الذّكريات على متن الباخرة السِّياحية: «كُنَّا نتسامر على طاولة من ثمانية، نسميها G8  إلا أنَّ الخَفِيَّ من الأقدار اختطَف صَديقنا "بول"، ماتَ بسكتة قلبية، فأصبحنا G7  (مجموعة السبع)، لقد أساء العُجوز "بول" استخدام الكحول»، ثم يُفرطنَ في ضحكٍ ضَعُفت رَنَّاته، «لكنه رغم موته واصلَ معنا الرِّحلة مُجمَّدا، إلى أنْ عدنا به هنا».
أدخلنا الرَّحيل السّياحي "لبُولْ" في مَلكوتِ الموت، فانحرفَ سيل التَّداعيات نحو وصَاياهُن بنمط الدَّفن،.. "شارلين" ختمت وصيَّتها ودفعت مُستحقات حَرقها،.. تابوتٌ خشبي رخيص، وساعة ونصف من التَّسخين في فرن عالي الحرارة، ثم يُجمع رمادها في جَرَّة خَزفيَّة أنيقة يتسلّمها ابنها الوحيد، ليدفنها قُرب زوجها،.. كانت تتمنى لو دُفنت في كينيا التي خاضت فيها أكثر من سفاري مع زوجها.. كانت تتحدث عن هذه الممارسة الجنائزية براحة من يُحقِّق أمنية مُبهجة.. فتذكَّرتُ عجائزَ من بني جلدتي يكرهن "الرَّد لمْحالي"...
غَمَزَت لي "آليسْ" بُخبث:«سيكون هذا آخر باربكيو في حياتها»، وضحكنا،.. ثم علَّقت مَشروع المَحروقة: «أريدُ أنْ أشعُرُ  ولو لمرَّة أنَّي خفيفة الوزن وناعمة، فقد عانيتُ من البدانة طيلة حياتي».
 
"شارلين" مُحاربة شرسة على جبهة البقاء، تعرَّضَ رِحمها لإصابة بالسرطان عندَ بوَّابة الشيخوخة، تخلَّصت منه دون كبير أسَى، وقهرت المرض،.. وتقول في تلذّذٍ شَغوفٍ بالحياة:«استحقَّ المسكين الإحالة للتَّقاعد، فعلاً تعطَّل، لكن بعد أنْ عبثنا سويًّا بما فيه الكفاية».

جاء دوري في الحديث، لأهديهما مُؤانسة بعض المُرجَّح عن طقس دفني: «سأدفنُ في أرض جَمالٍ على جَلال، في سَهْلٍ ناصع البياض، وافر المعادن، نقي الهواء، تطوف حوله روحي وتتحلل فيه جُروحي فترتفع كثافة مَعادنه، وتزداد أرضه غِنًى بِي»،.. ما علينا!،.. ففي مَجابات الكبرياء الغزيرة تلك يَكْفل الدُّستور حَقَّ الغُرور..

طبعًا، كان ذلك تَصوُّري على أيَّام لقائي بالعجائز الفرنسيات.. أمَّا اليوم، فأصبحتُ أتوجَّسُ من ذاتِ السَّهل، أخافُ على الخالدينَ في بطنه من طَمع الحَالِمين على ظهره، أخافُ أن يقف فوق قبري غريبٌ من السُّودان، يُنقِّبُ عن صَغائر فُتات الحَياة، وأخجلُ لأمواتي أنْ يَطَّلعَ على عوراتِ رُفاتهم ورُفاتي غريبٌ من مَالي، أنْ يَثقب جماجمنا فُضوليٌّ أجنبيٌّ يغرز فيها رأس مِقْلبه،.. فلمْ يَعد سهلي متكأَ سكينة لأمواتِ أسْلافي.. فأسلافي مثلي حلمنا بأشياء قد لا تتحقَّق كما تمنينا، لكنَّ مُجرَّد الحُلم بها يُسعدنا.
 
تبادلتُ والعجائز هدايا صغيرة، بعض المُربَّى صنعَتْهُ "آليس"، وبعض قديد السَّمك (لخليع) من طرفي،.. ولِكَسر الرَّتابة بيْننا قد تَرفعُ العجائز من جُرأة "اتلحليح" المازح، بأسئلةٍ من قبيل مَا إذا كانت لي ضُرَّة في البَلد،.. إلى آخره من "اتبهليل انْصاره"..،  الشيطنة منهن مُتوافقة التَّحفيز،.. مثلا، اقترحنَ عليَّ التَّخفيف من عبء الملابس مادام الرَّفيق-الرَّقيب غائبا!..فلا أملك إلا أنْ  أضحكَ قاطعة شهيَّة استرسالٍ فاضَ عن حاجتي، وأريدهُ أن يظلَّ في حُدودِ الخَرَف الباسِم، مُوضِّحة باقتضاب أنِّي: «ألبسُها بإرَادتي سيِّداتي»..

بعد عودتنا، تبادلتُ معهن رسائل مُجاملة عن طريق الإيميل لفترة ضاعت فيها الأيَّامُ في الزِّحام، لكن ليس إلى بعيد، ثم يَدخلُ صندوق "شارلين" المشاكسة في أبديَّة الصَّمت،.. سألتُ صديقتها "آليس" فأكَّدت أنَّها رَحلت،.. وأمَّا عن نفسها فتُجيب:« لم أعد قادرة على أكثر من إطلالة على المنتزه من نافذة غُرفتي،.. أحتاج أنْ أرتاح».. ربما انتصر عليها العجز أخيرًا، أو لأنَّ إيقاع الرَّحيل قد تسارع في المنتزه.

تحياتي.